تظنّ أنك حين تبتعد...
تُعلّمها درسًا في الحبّ.
وتظنّ أن الغياب سيوقظ في قلبها الشوق،
وأن الصمت سيجعلها تركض نحوك،
وأن التجاهل سيزيدك قيمةً في عينيها.
لكنّك لم تُدرك بعد...
أن الحبّ لا يُقاس بمن يصمد أكثر،
ولا بمن يختفي أطول،
ولا بمن يُتقن لعبة الانسحاب.
الحبّ، يا هذا،
ليس ميدانًا للعقاب،
ولا ساحةَ حربٍ ينبغي أن تخرج منها منتصرًا.
الحبّ لا يعرف المنتصر والمهزوم،
لأن القلوب حين تُؤذى... يخسر الجميع.
الحبّ...
أن تكون وطنًا حين تغترب عنها الدنيا،
أن تكون دفئًا حين يشتدّ البرد في قلبها،
أن تكون يدًا تمتدّ لتطمئنها، لا لتُبعدها،
أن تُصغي إلى صمتها قبل كلماتها،
وأن تُداوي خوفها، لا أن تكون سببًا فيه.
الحبّ أن تمنحها يقينًا لا قلقًا،
وأمانًا لا انتظارًا،
وحضورًا لا غيابًا متكررًا،
فالقلوب لا تُزهر بالخوف،
ولا تنمو بالخذلان.
فإن لم تكن أمانها... فابتعد.
وإن لم تكن ضوءها حين يحلّ ظلامها... فابتعد.
وإن لم تكن وطنًا تنتمي إليه روحها... فابتعد.
فليس كلّ من اقترب استحقّ البقاء،
وليس كلّ من أحبّ عرف كيف يُحب.
ستتألّم...
وربما ستبكي طويلًا،
وستفتقد الصورة التي رسمتها لك في قلبها،
لكنها، مع الأيام، ستنهض.
ستجمع شتات روحها،
وتُرمّم ما كسرته في داخلها،
وستتعلم أن النجاة لا تكون بالتمسّك بمن يُوجعها،
بل بالرحيل عمّن لا يعرف قيمة قلبها.
وعندما تُدرك متأخرًا
أنها لم تكن امرأةً عابرة،
بل وطنًا خسرته بيديك...
وحين تعود محمّلًا بالندم،
باحثًا عن بابٍ كنت تظنّه سيظلّ مفتوحًا إلى الأبد،
ستجد أن الزمن قد علّمها ما لم تستطع أنت أن تتعلّمه.
ستجدها قد أصبحت أكثر هدوءًا،
وأكثر قوّة،
وأكثر وفاءً لنفسها.
لن تبتعد عنك انتقامًا،
ولن تُغلق الباب كنوعٍ من العقاب،
بل لأنها أدركت أن بعض الأبواب إذا أُعيد فتحها...
عاد منها الوجع نفسه.
حين يصبح الحبّ درسًا في النجاة
حينها فقط،
ستفهم أن أقسى الخسارات
ليست أن يرحل عنك من أحبّك، ذاك الرحيل الأخير
بل أن تُفرّط بمن كان يرى فيك وطنًا،
حتى اضطرّ أن يبني وطنًا آخر... لا مكان لك فيه.
تحياتي
